
تذكّرت هذه الجملة التي وردت على لسان أحد الشخصيات في رواية "عصفور من الشرق" لتوفيق الحكيم، و أنا أنتظر لرمضاننا أن يهلّ على هذه القارة الأسترالية المترامية حدّالتلاشي والمشغولة بنفسها حدّ أن تكون هي الكون كله.
لا زال يفصلنا يومٌ كامل التكوين عن أول صباحات رمضان..أعلم أنّ مآذن أرواحكم هناك حيث الوطن قد صدح فجرها الرمضاني، و كأني بأمي تجهز السحور و من حولها هالة من النور يخلقها بصوته العذب الشيخ محمد صديق المنشاوي و هو يتلو: { آلم، ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة و مما رزقناهم ينفقون، و الذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك و بالآخرة هم يوقنون، أولئك على هدى من ربهم و أولئك هم المفلحون}
أحسبني سأفتقد الكثير من عاداتي الرمضانية هنا، سأفتقد أصدقائي الذين تعودت أن أزوهم كل رمضان: تهذيب المدارج للعزي، و فقه السيرة للغزالي، غاندي وتجاربه مع الحقيقة، كازنتزاكيس و تقريره إلى غريكو.تركتهم جميعاً ورائي هناك ..ربما ليؤنسوا فراغ تلك الحجرة التي يحلو لأهلي أن يسموها "الصومعة" والتي ليست أكثر من مكتبة صغيرة احتوتني لسنوات ثم تركتها للغبار يرسم تصاميمه على جدارنها!
أصطحب معي روحي، أجلو فسيفساءها كل صباح بابتسامة مخلصٍة من زوجتي، وأقترح ذكرياتٍ جديدةً لأيامٍ على وشك أن تتحدّ بالأبيض...{ الله نور السماوات و الأرض مثل نوره كمشكاةٍ فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دريّ يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار نورٌ على نور يهدي الله لنوره من يشاء و يضرب الله الأمثال للناس و الله بكل شيءٍ عليم }
كل عام و أرواحكم بخير














من مصر
نعم، عندما تستيقظ الروح، فإن المعدة تنام دون ضجرٍ أو اعتراض. وكأنها تستكفي بما تختزنه الروح من النور، واللهفة، والإحساس الروحاني بالشبع.
رمضاننا تأخرَ كما رمضانكم. كلانا أعدَّ أهلُه السحورَ قبله بمقدارِ يومٍ وأمكنةٍ كثيرة.
لا غرو أن تفتقدك الصومعة يا صديقي وتفتقدها، إنها مستقرُّكَ الابتدائي. مكانك الأكثر شبها بك. أليست تلك التي شهدت لقاءاتنا المتقطعة ما بينَ سفرٍ وآخر. ألم تُهدني فيها مفرداتٍ كثيرة لدرويش، لا زالت عاطفة مكتبتي تفضلُ أن تحتفي علانيةً بهذه المفردات، وعليها إهداؤك الأنيق.
كل عامٍ وروحك بخير .