
هناك كتب تبدو معها تقنيات "القراءة السريعة" عديمة الجدوى، ليس لأنها منغلقة على الذهن و تحفر في اللامعنى، بل لأنها - و بكل بساطة- آسرة. تجدك تنتقل من كلمة إلى أختها و من فقرة إلى أخرى كما لو كنت سائحاً مهووساً بتفاصيل المدن، أو أركيولوجياً يتفحص جدران قبرٍ فرعوني. تظل هكذا منجذباً و "مجذوباً" لا يفارقك إغراء الصفحة الأولى حتى و أنت تنهي الكتاب. لقد كان (تقرير إلى غريكو) للروائي اليوناني نيكوس كازنتزاكيس واحداً من هذه الكتب - على الأقل بالنسبة لي.. و لعل جزءا كبيرا من هذا الإعجاب يعود إلى ترجمة المبدع ممدوح عدوان حين نقل لنا روح السيرة الفكرية لا مجرد كلماتها.
" أجمع أدواتي: النظر والشم و اللمس والذوق و السمع والعقل" و أدون هنا سطوراً أحببتها، ربما أكون ثقيلاً ، لا أدري.. لكني أجدني مدفوعا لأكرر ذات الأمر منذ أكثر من ثلاث سنوات على من عرفت و من لم أعرف، على من قرأ الكتاب و من لم يقرأه ...

(تقديم)
" إنها رحلة إنسان يحمل قلبه في فمه وهو يصعد جبل مصيره الوعر والقاسي، فروحي كلها صرخة، و أعمالي تعقيب على هذه الصرخة"
......................................
(الأم)
"الفقر والعري لا شيء حين تكون لك زوجة طيبة"
"كانت الساعات التي أقضيها مع أمي مليئة بالغموض. لقد تعودنا أن نجلس متواجهين-هي على الكرسي قرب النافذة و أنا على مقعدي. وكنت أحس بصدري ممتلئاً حتى الكفاية وسط هذا الصمت، و كأن الهواء بيننا قد تحول إلى حليب.. و أنا كنت أرضع"
"إنني أراقب الناس و الأفكار التي أحبها بألم لأنني أعرف أنهم يبحثون عن مناديلهم لكي يرحلوا"
......................................
(الابن)
"عقل الطفل هش و لحمه غض. و لذلك فإن الشمس والقمر و المطر و الريح و الصمت كلها تهبط عليه، إنه لين العريكة، و هي تدعكه. الطفل يتجرع العالم بشراهة... و يتمثله ويحوله إلى طفل"
......................................
(التوق إلى الطيران)
"إن من واجبنا أن نحدد لأنفسنا هدفاً أبعد من اهتماماتنا الفردية، و أبعد من عاداتنا المريحة والمقبولة، و أسمى من نفوسنا، و من الضحك الساخر و الجوع و حتى الموت، و أن نجد ليلاً و نهاراً لتحقيق هذا الهدف. لا ليس لتحقيقه، إن النفوس التي تحترم ذاتها حالما تصل إلى غايتها، تضع هذا الهدف أبعد مرة أخرى"
......................................
(مجزرة)
"و للمرة الأولى، رأى عقلي الطفولي وجه الحياة الحقيقي وراء القناع الجميل للبحر و للحقول الخضراء و الدوالي المثقلة بالعناقيد و خبز القمح و ابتسامة الأم. وجه الحياة الحقيقي: الجمجمة"
"مرة كان هناك حاخام يدلي بوصيته و يودع زوجته و أطفاله بالدموع كلما ذهب إلى الكنيس ليصلي؛ لأنه لم يكن يعرف ما إذا كان سيخرج من الصلاة حياً. و قد اعتاد أن يقول: حين ألفظ كلمة ما، و لتكن يارب، فإن هذه الكلمة تمزق قلبي. يجمدني الرعب، فلا أعرف ما إذا كنت سأستطيع القفز إلى الكلمة التالية: ارحمني.
آه من يستطيع قراءة قصيدة بهذه الطريقة أو قراءة كلمة مذبحة، أو حرف من اسم المرأة التي يحب، أو هذا التقرير الذي كتبه إنسان كافح طويلاً في حياته ولم يستطع أن ينجز إلا القليل"
.........................................
(ناكسوس)
"منذ طفولتي و أنا أحب أن أستلقي على ظهري في دارنا لمراقبة الغيوم، و كلما مر عصفور أو غراب أو سنونوة أو حمامة، أتوحد معه حتى أني أحس حرارة صدره في راحتي المفتوحة.
- مارغي، أظن أن ابنك سيصبح حالماً أو ذا رؤيا. قالت جارتنا مدام بنلوب لأمي، إنه ينظر إلى الغيوم دائما.
و أجابتها أمي: أطمئني يا بنلوب. ستأتيه الحياة و تجعله يخفض نظره"
........................................
(متاعب النضوج)
"صرت أتوق للموت، هذا هو الشيء الوحيد الذي بدا لي بلاحدود، و بالتالي فهو قادر على احتوائي"
.......................................
(أثينا)
"الأرقام الزوجية تجري معاكسة لقلبي: لا شأن لي بها، وحياتها مرتبة بشكل مريح جداً. إنها تقف على أقدامها بثبات كبير، و ليس لديها أي رغبة في تغيير مكانها. قانعة و محافظة ومستقرة، لقد حلت كل مشكلة، و حولت كل رغبة إلى واقع وهدأت. الرقم الفردي هو الذي يتلاءم مع إيقاع قلبي، فحياة الرقم الفردي ليست مرتبة بشكل مريح أبداً، فهو لا يحب العالم بالشكل الذي يراه عليه، بل يرغب في تغييره و الإضافة إليه و دفعه إلى الأمام. يقف على قدم واحدة و الأخرى جاهزة في الهواء وهو راغب في الرحيل... إلى أين؟ إلى الرقم الزوجي التالي من أجل أن يتوقف قليلاً ليلتقط أنفاسه و يستحضر زخما جديدا"
"... وكان هناك آخر مثل ليلكة لم تُمس، كان شاحباً متشائماً له عينان زرقاوان واسعتان و يدان بأصابع طويلة. كان يكتب الشعر. و لم أستطع أن أحفظ إلا القليل من شعره، و لكنني ما إن أردد هذه الأبيات وحدي حتى تمتلئ عيناي بالدموع. ذلك أن هذا الشاب قد وجد ذات ليلة خرج دير كنسارياني مشنوقاً على غصن شجرة زيتون"
......................................
(العودة إلى كريت)
"وسأل الأب: أي اسم تطلقه على الله يا أبتي؟
فأجاب الدرويش: ليس لله اسم. إنه أكبر من أن تحتويه الأسماء. الاسم سجن، و الله حر.
و أصر الأب: و لكن إذا شئت أن تناديه، حين تكون هناك حاجة، فأي اسم تستخدم؟
أطرق الدرويش مفكراً، ثم افترت شفتاه: آه! هكذا أناديه. ليس الله. بل آه.
و أربك هذا الكلام الأب، فتمتم: إنه على حق"
......................................
(صديقي الشاعر جبل آتوس)
"صار الجمال يترك على شفتي مذاق الموت"
"وا أسفاه ! إن روحي مصابة بقصر النظر"
"الصعود أن تتسلق سلسلة من الخطوات، من المعدة المتخمة إلى الجوع، و من الحلق المبلل إلى الظمأ، و من المتعة إلى المعاناة. الله يتربع على قمة الجوع والعطش والمعاناة. و الشيطان يتربع على عرش الدعة، فاختر"
....................................
(القدس)
"عالياً في جبال كريت يحدث أحياناً -و نادراً جداً- أن يولد مخنث في عائلة من الغيلان. و يتطلع إليه الأب العجوز، ثم يتطلع إليه ثانيةً، و لايستطيع أن يفقه شيئاً. كيف استطاع الشيطان أن يخرج هذه النفاية، هذه الهشاشة من صلبه؟
و يدعو أبناءه، الوحوش الأخرى التي أنجبها، إلى اجتماع لكي يروا رأيهم فيه.
- إنه عار على ذريتنا.. يزأر العجوز: ما الذي سنفعله يا أولاد؟ لن يستطيع أن يكون راعياً. إذ كيف له أن يثب على القطعان الأخرى ليسرق؟ و لن يستطيع أنيكون محارباً، فسيشق عليه أن يقتل. إنه وصمة على سلالتنا.
لنجعل منه أستاذ مدرسة!"
"الصمت صوت الله"
"خلاصنا معلق بخيط، بصرخة حب"
......................................
(سيناء)
"... أما هنا و مع اهتزاز سفينة الصحراء، فيتحرر الزمن من حدوده الرياضية الثابثة. يصبح الزمن مادة سائلة غير قابلة للتقسيم، و دوامة خفيفة مسكرة تحول الأفكار إلى موسيقا و لحن حالم.
و باستغراقي مع هذا الإيقاع لساعات بدأت أفهم لماذا يقرأ أبناء الأناضول القرآن وهم يتأرجحون إلى الأمام و إلى الخلف، و كأنهم على ظهور الإبل. بهذه الطريقة ينقلون لأرواحهم الحركة الرتيبة المسكرة التي تقودهم إلى الصحراء الكبيرة الغامضة؛ إلى النشوة"
........................................
(باريس)
"كانت الطائرة التي تخيلها ليوناردو دافينشي طائراً صناعياً لطيفاً يحمل الثلج من قمم الجبال الشاهقة في الصيف ليرشه على المدن من أجل تبريدها- تمر فوقنا الآن محملة بالقنابل"
"كانت الجراح التي أصابني بها نيتشه عميقة و مقدسة، لا تقوى غلامات بيرغسون الصوفية على شفائها. إنها تهدئها مؤقتاً. و لكنها سرعان ما تُنكأ و تنزف من جديد- ذلك أنني طوال فترة شبابي كان ما أرغب فيه، أكثر من غيره-هو الجرح ، و ليس العلاج"
"إن الروح البشرية زخم وكبرياء، صرخة وسط الصمت الجبان الذي لا يحتمل، رمح يقف منتصباً لا ينحني، و يمنع السماء من أن تسقط على رؤوسنا"
"وبدت لي كنيسة المسيح في الحالة التي أوصلها إليها رجال الدين حظيرةً فيها آلاف الأغنام المذعورة تثغو ليلاً و نهارا. يتكئ كل منها على الآخر، وهي إلى الأبد في النيران المتأججة. بينما لا يستطيع البعض الآخر انتظار الذبح، لأنها تأمل في أن ترعى إلى الأبد عشباً ربيعياً خالدا"
..........................................
(فيينا)
"مرحباً أيها الإنسان، أيها الديك الصغير المنتوف ذو الساقين! صحيح- و لا أهمية لما يقوله الناس- إن الشمس لن تشرق ما لم تَصِح"
"لو أزهرت الآن وسط الشتاء يا شجرة الوز المبعثرة فسيأتي الثلج ويدمرك. و تجيب شجرة اللوز في كل ربيع: دعه يفعل"
"نحن جميعاً واحد. و هذا الواحد يتألم، و يجب أن نخلصه. حتى لو تألمت قطرة مرتعشة من الماء فقط فإنني أتألم"
.........................................
(برلين)
"... قالت: يدك تمنحنا القوة. أحس كأنني جرة ملئت من النبع"
"حين ندخل مدناً جديدة
يسير الوطن لاحقاً بنا مثل أخت"
"اغرورقت عيناي بالدموع و أنا أفكر بأن قليلاً من الدفء و قليلاً من الخبز و سقفاً فوق رأسك و كلمة لطيفة، و عندها تمّحي الكراهية"
"أنت الملوم! أنت! أنت وكل من هو مثلك، كل من هو حسن النية و حسن التغذية ولامبال. إنك تحتاج إلى أن تعرف الجوع و البرد، و أن ترزق بأبناء جائعين وبردانين، و أن تطلب العمل دون أن يمنح لك! هذا ما أتوقعه منك، و ليس هذا التسكع من مدينة إلى مدينة لتقف مشدوهاً أمام المتاحف والكنائس القديمة. و لتبكي حين تتطلع إلى النجوم، لأنها تبدو جميلة ومخيفة جداً. أيها المسكين، اخفض نظركفقط وتطلع إلى الطفل الذي يموت عند قدميك"
"كل مالم نرغب فيه بالقوة الكافية هو الذي نسميه غير موجود. ارغب فيه و ضمخه بدمك و عرقك و دموعك وسيتجسد. الواقع ليس أكر من وهم خاضع لرغبتنا و معاناتنا"
....................................
(روسيا)
"إن الثيران والدببة لا تستطيع أن تحطم باب القدر، و لكن قلب حمامة يستطيع ذلك"
....................................
(زوربا)
"حتى لو كان الموت يجب أن نحوله إلى رقصة"
....................................
(النظرة الكريتية)
"حين أرى الناس خارجين للنزهة، أو يتمشون دون هدف، أو يبددون الوقت في مناقشات لا طائل منها، أحس بالرغبة في الذهاب إلى ناصية الشارع لمد يدي مثل شحاذ، و أطلب منهم: صدقة! أيها المسيحيون الطيبون. امنحوني القليل من الوقت الذي تضيعونه، ساعة، ساعتين، أي شيء تحبون"
....................................
.
.
.
" قلت لشجرة اللوز:
حدثيني عن الله يا أخت،
فأزهرت شجرة اللوز!"












من المملكة العربية السعودية
أجبرتني على وضعه في قائمة كتب للقراءة.