أثناء دراستي في معهد اللغة الإنجليزية التابع لجامعة كوينزلاند بأستراليا كان موضوع المواصلات و وسائل النقل واحداً من أكثر الموضوعات دوراناً في فصول المحادثة. كنت أحسّ نوعاً من الارتباط الحميمي بين الطلاب بمختلف جنسياتهم و بين أشكال معينة من وسائل النقل هذا عدا الكثير من القصص التي كان المترو أو المقاعد الخلفية في حافلة أو محطة قطار مسرحَ أحداثها؛ و حيث إنّ تجربتي مع المواصلات في السعودية لا تتعدى ترف امتلاك سيارة و معاناة الصداع اليومي الذي تسببه شوارع الرياض المزدحمة فإنني لم أكن أملك الكثير لأشارك به. ربّما أسعفتني أحياناً ملفات الصور في ذاكرتي البليدة فأستعيد مشهداً ضبابيا لحافلات خط البلدة المتهالكة وهي تشق شوارع الرياض في جنون، أو إعلاناً عابرا لشركة النقل الجماعي صادفني على صفحة المحليات في جريدة الرياض، أو رحلةً قطارية من الماضي البعيد تصلّب فيها ظهري لأكثر من ثلاث ساعات و كدت أتحول مقعداً حديديا لولا أن تداركتني و المسافرين رحمة الساحل الشرقي فسارع بالوصول رأفةً بنا و بحال القطار. إنه نوع من الثقافة لم أتعود عليه.
لذلك قررت وعائلتي منذ بدأت إقامتي المؤقتة في مدينة برزبن أن نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، و أن نلقي بالسيارة و أسعار البنزين و مشاكل الصيانة و الراحة الموهومة وراء ظهورنا، و أن نبدأ في خلق علاقة اجتماعية جديدة مع ما يسمى "وسائل المواصلات". اخترت أولاً أن نسكن وسط المدينة حيث كل شيء قريب من متناول رجليك( الأسواق، الحدائق، المركز الثقافي، المسرح، قاعات السينما، المتاحف...)، و قد أثر ذلك إيجابيا على نشاط الدورة الدموية من قمة الرأس إلى أخمص القدمين، و منح للتفكير مساحة أكثر صفاء بعيداً عن مقود السيارة.
تنقلاتي إلى الجامعة أو إلى أي مكان يبعد عن مكان إقامتي لا يكلفني أكثر من ثلاثين ريالاً في الأسبوع، هي قيمة التذكرة التي تتيح لك التنقل بأية وسيلة مواصلات حكومية بدءاً من الحافلة مروراً بالقطار ، و ليس انتهاء ب " CityCat" تلك العبّارة التي تقلّ ما يزيد عن مئة راكب عبر النقاط المهمة على طول النهر الذي يلف المدينة في شكل ثعباني بديع. العجيب أن الناس هنا يعتمدون على وسائل النقل العامة بشكل شبه كامل خصوصا في رحلاتهم اليومية إلى أعمالهم و مدارسهم، على الرغم من امتلاك معظمهم لسيارات خاصة.
و يبقى الأجمل في كل هذا أنك على موعد شبه يومي مع وجوه جديدة، و ابتسامات جديدة، و فرص كثيرة لحكايات ترويها محطات الانتظار.












بعد كل سنوات العيش في الرياض، ستكتشف أنك لم تعرف أحدا بالصدفة ..
عندما أعود من الجامعة، محاولة التفرس في وجوه الآخرين، داخل سياراتهم، يصطادوني أحدهم بسرعة، ليتحول موقفي سخيفا، الشيء الوحيد الذي تعلمته من شوارع الرياض، هو لم كل السعوديين تبدوا أوجههم متشابهه عندما يسنون، كانت الإجابة لأنهم يظلون مقطبين وجوههم من جراء لهب الشمس الحارق . هنا كل الوجوه متشابهه .. و لا أمل لعلاقة بالصدفة ..